أخبار عاجلةفكر دينى

الدكتور سعد الهلالى وبعض الأراء الفقهية تجيز جماع الزوجة من الدبر

 

الدكتور سعد الهلالى وبعض الأراء الفقهية تجيز جماع الزوجة من الدبر

قال الحافظ: «جميع الأحاديث المرفوعة في هذا الباب –وعِدتها نحو عشرين حديثاَ– كلها ضعيفة لا يصح منها شيء. والموقوف منها هو الصحيح». وقال ابن حجر: «ذهب جماعة من أئمة الحديث –كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري– إلى أنه لا يثبت فيه شيء». وقال الشافعي: «لم يصح عن رسول الله r في تحريمه ولا في تحليله شيء». (حذف).

 

 

وقد أشار ابن حجر في تلخيص الحبير (3|180) إلى ضعف كل هذه الأحاديث. ولكن هناك رغبة شديدة بتصحيحه عند الكثيرين. فنقول لهم: حتى لو صح، فهو لا يدل على المطلوب، أي في الزوج. وهذا يقال في أكثر هذه الأحاديث التي يحاولون تصحيحها. والثابت أن إتيان الزوجة في دبرها، لم تشرّع له عقوبة، ولا عُرف عن رسول الله r أنه عاقب أحداً عليه.

تفسير الآية

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (سورة البقرة 2: 222-223).

 

 

اختلف المفسرون في معنى ]فأتوهن من حيث أمركم الله[. فقد ثبت عن ابن عباس t وتلميذه عكرمة قوله بما معناه: «أُمِروا أن يأتوهن من حيث نهوا عنه، أي من حيث جاء الدم». ورُوي عن غيرهما أن معناه: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فيه أن تأتوهن منه، وذلك الوجه هو الطهر دون الحيض. قال إمام المفسرين الطبري: «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك عندي قول من قال: معنى ذلك: فأتوهن من قبل طهرهن. وذلك أن كل أمر بمعنى فنهي عن خلافه وضده، وكذلك النهي عن الشيء أمر بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله} فأتوهن من قبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهن من قبله في حال حيضهن، لوجب أن يكون قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} تأويله: ولا تقربوهن في مخرج الدم دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فيكون مطلقا في حال حيضها إتيانهن في أدبارهن. وفي إجماع الجميع على أن الله تعالى ذكره لم يطلق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئا حرمه في حال الطهر ولا حرم من ذلك في حال الطهر شيئا أحله في حال الحيض، ما يعلم به فساد هذا القول»، ثم أطال في الانتصار لهذا التفسير.

 

 

أما الحرث فهو إلقاء البذر في الأرض، وأما الزرع فهو عملية إنبات هذا البذر، وهو من اختصاص الله سبحانه وتعالى كما قال: ]أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟[. والمقصود بالحرث هنا هو موضعه وهو فرج المرأة. قال القرطبي في تفسيره (3|93): «فرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحترث»، فعلينا الحرث أي الإلقاء فيها وعلى الله الإنبات.

 

 

واختلف في معنى “أنى”. فقيل كيف، وقيل حيث، وقيل متى، وبحسب هذا الاختلاف جاء الاختلاف في تأويل الآية. فإن “أين” إنما هي حرف استفهام عن الأماكن. و “متى” هي حرف استفهام عن الوقت. وإذا فسرناها بمعنى “أين” لكان معنى ذلك إجازة وطء الدبر. وإن فسرناها بمعنى “متى” لكان معنى ذلك إجازة وطء الحائض! وكل ذلك باطلٌ لا حجة لهم فيه، لأن أنى في لغة العرب التي نزل بها القرآن إنما هي بمعنى “من أين” لا بمعنى “أين”. فإذ ذلك كذلك فإنما معناه من أين شئتم. قال الله عز وجل في سورة آل عمران: ]يا مريم أنى لك هذا[ أي بمعنى من أين لك هذا. وكذلك فسرها النحوي سيبويه بـ ” كيف” و “من أين” باجتماعهما.وقال القرطبي «معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة». قال الآلوسي في تفسيره روح المعاني (2|124): «فيصير المعنى من أي مكان، لا في أي مكان. فيجوز أن يكون المستفاد حينئذ تعميم الجهات من القدام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال لا تعميم مواضع الإتيان. فلا دليل في الآية لمن جوز إتيان المرأة في دبرها».

سبب نزول الآية

أخرج البخاري عن جابر t قال: «كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول. فنزلت نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم». وأخرجه مسلم بفظ آخر: «كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول. فنزلت نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم».

 

 

أخرج البخاري (كما في الفتح 8|190) وإسحاق ابن راهُوْيَه في مسنده وتفسيره وابن جرير الطبري في تفسيره (2|391) عن نافع قال: قرأت ذات يوم {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. قال: ابن عمر أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.

 

 

وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عمر {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: في الدبر.

وأخرج النسائي وابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (ثقة) عن أبي بكر بن أبي أويس (عبد الحميد بن عبد الله، ثقة) عن سليمان بن بلال (ثقة) عن زيد بن أسلم (ثقة) عن ابن عمر t: أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}.

وأخرج الدارقطني ودعلج كلاهما في غرائب مالك من طريق أبي مصعب واسحق بن محمد القروي كلاهما عن نافع عن ابن عمر أنه قال: «يا نافع أمسك على المصحف». فقرأ حتى بلغ {نساؤكم حرث لكم…} الآية. فقال: «يا نافع أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟». قلت: «لا». قال: «نزلت في رجل من الأنصار، أصاب امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك، فسأل النبي r، فأنزل الله الآية». قال الدارقطني: «هذا ثابت عن مالك». وقال ابن عبد البر: «الرواية عن ابن عمر بهذا المعنى صحيحة معروفة عنه مشهورة».

 

 

فعندنا إذا سببين للنزول، الأول يرويه جابر t والثاني يرويه ابن عمر t. ولفظ البخاري لحديث جابر يحتمل الوجهين، أي نكاح الدبر أو نكاح الفرج من جهة الدبر. وأما لفظ مسلم فصريحٌ بأن الآية خاصة بنكاح الفرج من جهة الدبر. وأما رواية عمر فهي صريحة في جواز إتيان النساء في أدبارهن. على أن الجمع بين الروايتين ممكن، فإن جابراً كان يتحدث عما كان يقوله اليهود، وابن عمر يتحدث عن حادثةٍ معينة حدثت لرجل من الأنصار، لم يسمِّه طبعاً للسبب الواضح. وإلا فإن إصراره على هذا التفسير وكثرة تحديثه للمقربين منه بذلك، هو دليل تيقنه مما يعرف، والمثبت مقدَّمٌ على النافي.

 

 

فنحن نثبت ما قاله ابن عمر t في سبب النزول، وقول الصحابي في سبب النزول حجة قاطعة بحكم الحديث المرفوع. لكن قد يخطئ بالاستنتاج (أي في الأمر الفقهي)، إذ يبدو –والله أعلم– أن النتيجة أتت بالتحريم وليس بالإجازة كما فهمه رضي الله عنه. فقد فهم مما حدث –كما أخرج البخاري– أن الآية رخصة في إتيان النساء في أدبارهن. ولكن لو تأملنا القصة كما أخرجها الدارقطني، وكما أخرجها النسائي وابن جرير، لوجدنا أن الآية نزلت بعدما أتى الأنصاري امرأته في دبرها، فتأسف، فسأل رسول الله r عن ذلك فنزلت الآية. ففهم ابن عمر t أن معنى الآية الجواز لقوله تعالى ]أنى شئتم[. والذي يبدو لي أنه ليس فيها جواز، بل لعله إرشاد للرجل أن يؤتي امرأته من موضع الحرث (وهو الفرج) من أي جهة كانت، ولم تتكلم عن الدبر. فدل ذلك على تحريمه، أو كراهته في أقل تقدير.

 

 

ويستدل البعض لهذا بما أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار: حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج أن محمد بن المنكدر حدثه، عن جابر بن عبد الله t: أن اليهود قالوا للمسلمين: «من أتى امرأته وهي مدبرة، جاء ولدها أحول». فأنزل الله عز وجل {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال رسول الله r: «مقبلة ومدبرة، ما كان في الفرج». قال الطحاوي: «ففي توقيف النبي r إياهم في ذلك على الفرج، إعلامٌ منه إياهم أن الدبر بخلاف ذلك». أقول: «ولو صحت هذه الزيادة لأخرجها البخاري ومسلم وأصحاب السنن، إذ أن الإسناد صحيح على شرط الشيخين. ولكن هذه الزيادة مدرجة من كلام ابن جريج ولا تصح مرفوعة.

 

فقد أخرج أبو عوانة في مسنده (3|84): حدثنا أبو عمر الإمام ثنا مخلد عن ابن جريج ح وحدثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب قال حدثني مالك وابن جريج وسفيان الثوري أن ابن المنكدر حدثهم عن جابر بن عبد الله: «إن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولده أحول. فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم». قال ابن جريج في حديثه: «مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في القبل». أقول: ولذلك أخرج البخاري ومسلم قول جابر t دون زيادة ابن جريجٍ لأنها مدرجة من كلامه، ولا تصح مرفوعة. وهناك زيادةٌ مدرجة أخرى من طريق الزهري أنه قال: «إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير إن ذلك في صمام واحد»، وهي من كلام الزهري لا من كلام جابر. وعلى أية حال فقد أصحاب الزهري وابن جريج المعنى الذي دلت عليه الآية كما سنرى في تفسيرها.

 

 

 

 

اظهر المزيد

بوابة الواقع

يحرص دائما على خدمة التعليم والمعلم والطالب الازهرى عمل محررا بمواقع وبوابات الكترونية عديدة لأنه فى قلب الحدث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر + تسعة عشر =